التشهير والسب والقذف عبر وسائل التواصل في السعودية
نُشر في 17/10/2026
تغريدة غاضبة، أو مقطع في «سناب شات»، أو رسالة في مجموعة «واتساب» عائلية قد تتحول إلى قضية جزائية ومطالبة بالتعويض. فالنظام في المملكة يحمي سمعة الإنسان وكرامته في العالم الرقمي كما يحميها في الواقع، ويفرّق بين السب والقذف والتشهير في الوصف والعقوبة. يشرح هذا المقال الفروق بينها، وما يحق للمتضرر، وكيف ترفع الشكوى، وما الذي ينبغي أن ينتبه إليه من يكتب على وسائل التواصل حتى لا يجد نفسه متهمًا.
الفرق بين السب والقذف والتشهير
- السب أو الشتم: كل لفظ أو وصف يخدش شرف الشخص أو اعتباره دون أن ينسب إليه واقعة محددة، كالشتائم والألفاظ المهينة والأوصاف المحقّرة.
- القذف: في الاصطلاح الشرعي هو الرمي بالزنا أو نفي النسب، وله أحكام خاصة وعقوبة حدّية مقدّرة شرعًا متى ثبت بشروطه، ويُستعمل أحيانًا في اللغة الدارجة بمعنى أوسع يشمل اتهام شخص بأمر مشين.
- التشهير: نشر ما يسيء إلى سمعة شخص أو منشأة أمام الناس، سواء كان ادعاءً كاذبًا أو حتى معلومة خاصة لا يحق نشرها، بقصد الإضرار به أو إذلاله.
وقد تجتمع هذه الأوصاف في منشور واحد، فتنظر المحكمة في كل منها وتقدّر العقوبة بحسب الثابت أمامها. ولا يشترط أن تكون الإساءة مكتوبة؛ فالمقطع المصوّر، والتسجيل الصوتي، والصورة المركّبة، والرسوم الساخرة الموجهة إلى شخص بعينه قد تؤدي المعنى نفسه وتخضع للمساءلة ذاتها.
الأساس النظامي للمساءلة
يُعد نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية المرجع الرئيس حين تقع الإساءة عبر الإنترنت؛ إذ يجرّم في مادته الثالثة التشهير بالآخرين وإلحاق الضرر بهم عبر وسائل تقنيات المعلومات المختلفة، والمساس بالحياة الخاصة، ويضع لذلك عقوبة السجن مدة لا تزيد على سنة وغرامة لا تزيد على خمسمائة ألف ريال أو إحداهما. كما يجرّم في مادته السادسة إنتاج أو إرسال ما يمس النظام العام أو القيم الدينية أو الآداب العامة أو حرمة الحياة الخاصة بعقوبة أشد.
أما السب الذي لا يدخل تحت نص خاص فيُعاقب عليه تعزيرًا وفق تقدير القاضي، والقذف بمعناه الشرعي يخضع لأحكام الحدود. وإلى جانب العقوبة يحق للمتضرر المطالبة بالتعويض استنادًا إلى قواعد المسؤولية عن الفعل الضار في نظام المعاملات المدنية، التي تقرر أن كل خطأ سبّب ضررًا للغير يُلزم مرتكبه بالتعويض، بما في ذلك الضرر المعنوي.
حقوق المتضرر وحدود حرية التعبير
للمتضرر أن يطالب بمعاقبة المسيء، وبحذف المحتوى، وبالتعويض عن الضرر. ويشمل ذلك الأفراد والمنشآت التجارية التي قد تتضرر سمعتها من مراجعات كاذبة أو حملات منظمة.
وفي المقابل، لا يُعد كل نقد تشهيرًا. فالتقييم الموضوعي لخدمة أو منتج، أو الشكوى عبر القنوات الرسمية، أو الإبلاغ عن مخالفة إلى جهة مختصة، يختلف عن النشر الذي يقصد الإساءة. والعبرة غالبًا بالألفاظ المستخدمة، وصحة المعلومة، والقصد، وطريقة النشر. لذلك ينصح المختصون بأن تكون الشكوى من جهة أو منشأة عبر قنواتها الرسمية أو الجهات الرقابية، لا عبر التشهير العلني بأسماء الأشخاص.
وقبل أن تنشر شيئًا عن شخص أو جهة، اسأل نفسك أسئلة بسيطة تحميك من المساءلة:
- هل المعلومة صحيحة ولديّ ما يثبتها، أم هي انطباع أو شائعة؟
- هل الألفاظ وصفية محايدة، أم تتضمن شتائم أو أوصافًا مهينة؟
- هل أذكر اسمًا أو صورة أو رقمًا أو بيانات تكشف هوية شخص بعينه دون حاجة؟
- هل توجد جهة رسمية مختصة أستطيع أن أشتكي إليها بدلًا من النشر العلني؟
- هل كتبت المنشور وأنا غاضب، وهل سأقبل أن يُعرض أمام قاضٍ؟
هذه الأسئلة لا تغني عن الاستشارة، لكنها تقلل كثيرًا من احتمال الوقوع في مخالفة لم تكن مقصودة.
خطوات رفع الشكوى
- التوثيق: صوّر المنشور أو المقطع كاملًا مع اسم الحساب ورابطه وتاريخه وعدد المشاهدات أو التفاعلات إن ظهر، واحفظ المقطع نفسه إن أمكن.
- تحديد الهوية: إن كان الحساب معروف الصاحب فاذكر بياناته، وإن كان مجهولًا فاذكر ما لديك من قرائن، وتتولى الجهات المختصة التحري الفني.
- تقديم البلاغ: عبر تطبيق «كلنا أمن» أو مركز الشرطة، لتُحال الواقعة إلى النيابة العامة للتحقيق في الحق العام.
- المطالبة بالحق الخاص: يمكنك تقديم طلباتك من تعويض وحذف للمحتوى أثناء نظر الدعوى الجزائية، أو رفع دعوى مستقلة للتعويض عبر منصة «ناجز» بحسب الأحوال.
- الصلح: في كثير من قضايا الإساءة يمكن إنهاء الحق الخاص صلحًا مقابل اعتذار علني أو حذف المحتوى أو تعويض، ويُوثّق الصلح رسميًا، وقد تساعد خدمات المصالحة لدى وزارة العدل عبر منصة «تراضي» في المنازعات التي تقبل ذلك.
المستندات والأدلة المطلوبة
- الهوية الوطنية أو الإقامة، أو السجل التجاري وتفويض الممثل إن كان المتضرر منشأة.
- صور ومقاطع المحتوى المسيء مع الروابط والتواريخ.
- ما يثبت الضرر: رسائل من عملاء ألغوا تعاملهم، أو انخفاض في المبيعات، أو تقارير نفسية، أو قرارات وظيفية ترتبت على النشر.
- أسماء الشهود الذين اطلعوا على المحتوى، خاصة في المجموعات المغلقة.
ويُستحسن أن تُعدّ ملخصًا مكتوبًا للوقائع بتسلسلها الزمني، يبيّن علاقتك بالناشر إن وُجدت، وسبب الخلاف إن كان هناك خلاف سابق، وكيف علمت بالمنشور. فهذا الملخص يساعد المحقق والمحامي على فهم الصورة كاملة بسرعة، ويقلل من احتمال إغفال واقعة مهمة.
أخطاء شائعة على الطرفين
من جهة المتضرر:
- الرد بالإساءة نفسها، فتتحول القضية إلى دعويين متقابلتين.
- التأخر في التوثيق حتى يُحذف المحتوى.
- المبالغة في تقدير التعويض دون إثبات الضرر.
ومن جهة الناشر:
- الاعتقاد بأن الحساب المستعار يحمي صاحبه من التتبع.
- الظن بأن المجموعات الخاصة لا يُعد النشر فيها نشرًا.
- إعادة نشر محتوى مسيء كتبه غيره، أو إضافة تعليق مهين عليه.
- الاعتقاد بأن صحة المعلومة تبيح نشرها دائمًا، مع أن نشر الخصوصيات قد يُعد مساسًا بالحياة الخاصة ولو كانت صحيحة.
أسئلة شائعة
هل الإساءة في مجموعة «واتساب» مغلقة تُعد تشهيرًا؟
قد تُعد كذلك؛ لأن المحتوى وصل إلى أشخاص آخرين غير المتضرر. ويختلف التكييف بحسب عدد الأعضاء وطبيعة الألفاظ والقصد، لكن كون المجموعة خاصة لا يعني الإفلات من المساءلة.
هل يجوز لي كتابة تقييم سلبي عن متجر أو مطعم؟
يجوز التقييم الموضوعي الصادق لتجربتك، دون ألفاظ مسيئة أو اتهامات لا دليل عليها أو ذكر بيانات شخصية للعاملين. أما الادعاءات الكاذبة أو الحملات المقصودة فقد تعرّض صاحبها للمساءلة.
هل يسقط الحق إذا حذف المسيء المنشور؟
لا يسقط تلقائيًا؛ فالحذف لا يلغي وقوع الفعل، وإن كان قد يُراعى عند تقدير العقوبة أو التعويض. لذلك فإن التوثيق قبل الحذف مهم جدًا.
هل يمكن مقاضاة شخص يقيم خارج المملكة؟
يمكن تقديم البلاغ، وتتولى الجهات المختصة التعامل وفق ما تتيحه الاتفاقيات والإجراءات الدولية، غير أن ذلك يكون عادة أطول وأكثر تعقيدًا، ويُنصح باستشارة محامٍ لتقدير الخيارات.
سواء كنت متضررًا من إساءة إلكترونية أو تلقيت استدعاءً بسبب منشور، فإن تقييم الكلمات المستخدمة وطريقة النشر يحتاج إلى خبرة متخصصة. تواصل مع محامٍ متخصص في قضايا السب والقذف والتشهير، أو مع محامي الجرائم المعلوماتية، ويمكنك أيضًا طرح سؤالك مجانًا عبر صفحة اسأل سؤالًا قانونيًا.
تنبيه: هذا المقال للتوعية العامة ولا يُعد استشارة قانونية. تختلف الأحكام بحسب تفاصيل كل حالة والأنظمة النافذة وقت قراءتك، فاستشر محاميًا مرخّصًا قبل اتخاذ أي إجراء.
تحتاج استشارة قانونية في هذا الموضوع؟
تواصل مع محامٍ مرخّص في مدينتك.