الأخطاء الطبية في السعودية: المسؤولية والتعويض وخطوات الشكوى
نُشر في 17/10/2026
يتوجه المريض إلى الطبيب أو المستشفى طلبًا للعلاج، لكنه قد يخرج أحيانًا بضرر لم يكن متوقعًا: تشخيص خاطئ، أو جراحة أُجريت بطريقة غير سليمة، أو دواء وُصف بجرعة خاطئة، أو إهمال في المتابعة بعد العملية. ليس كل نتيجة غير مرضية خطأً طبيًا، فالطب لا يضمن الشفاء، لكن النظام السعودي يقرر مسؤولية الممارس الصحي والمنشأة الصحية متى ثبت الخطأ وترتب عليه ضرر. يشرح هذا المقال للمرضى وذويهم، وللممارسين الصحيين أيضًا، متى يُعد الفعل خطأً طبيًا، والجهة المختصة بنظر الشكوى، وخطوات المطالبة بالتعويض، والمستندات المهمة.
الأساس النظامي للمسؤولية الطبية
ينظم نظام مزاولة المهن الصحية ولائحته التنفيذية واجبات الممارس الصحي ومسؤوليته المهنية، ويقرر أن التزام الطبيب في الأصل التزام ببذل عناية لا بتحقيق نتيجة؛ أي أنه مطالب بأن يبذل العناية التي يبذلها ممارس يقظ من مستواه، وفق الأصول العلمية المتعارف عليها، لا أن يضمن الشفاء. وتقوم المسؤولية متى توافرت ثلاثة عناصر: خطأ من الممارس أو المنشأة، وضرر لحق بالمريض، وعلاقة سببية بين الخطأ والضرر.
ومن صور الخطأ التي يشير إليها النظام بصفة عامة: الخطأ في العلاج أو نقص المتابعة، والجهل بأمور فنية يُفترض فيمن هو في مستوى الممارس الإلمام بها، وإجراء عمليات تجريبية غير مسبوقة على الإنسان بالمخالفة للقواعد، وإعطاء دواء على سبيل الاختبار، واستخدام أجهزة دون علم كافٍ بطريقة تشغيلها، والتقصير في الرقابة والإشراف، وعدم استشارة من تستدعي حالة المريض الاستعانة به. كما يشترط النظام في الأصل الحصول على موافقة المريض أو وليه على التدخل الطبي، إلا في الحالات الإسعافية التي ينظمها.
وتطبَّق إلى جانب ذلك القواعد العامة في المسؤولية والتعويض الواردة في نظام المعاملات المدنية، وأحكام الشريعة في الدية والأرش وحكومة العدل فيما يتعلق بالإصابات البدنية.
أنواع المسؤولية: مدنية وتأديبية وجزائية
قد يترتب على الخطأ الطبي الواحد أكثر من نوع من المسؤولية:
- المسؤولية المدنية (الحق الخاص): وهي التعويض المالي للمريض أو ورثته عن الضرر، ويشمل الدية أو الأرش والتعويض عن الأضرار الأخرى بحسب ما يقرره الحكم.
- المسؤولية التأديبية (المهنية): كالإنذار أو الغرامة أو إلغاء الترخيص، وتُوقَّع على الممارس الذي أخل بواجباته المهنية، ولو لم يترتب على خطئه ضرر جسيم.
- المسؤولية الجزائية: إذا كان الفعل يشكّل جريمة، كالإهمال الجسيم المفضي إلى الوفاة أو التزوير في التقارير الطبية، فيدخل الحق العام وتختص النيابة العامة بالتحقيق.
كما تُسأل المنشأة الصحية في كثير من الحالات عن أخطاء العاملين لديها، وعن قصورها في التجهيزات أو الإجراءات أو الإشراف. ويُلزم النظام الممارسين الصحيين بالاشتراك في التأمين التعاوني ضد الأخطاء المهنية الطبية، مما يساعد في ضمان سداد التعويضات المحكوم بها.
الجهة المختصة وخطوات تقديم الشكوى
وفق الإطار القائم، تختص الهيئات الصحية الشرعية التي تُشكَّل بموجب نظام مزاولة المهن الصحية بالنظر في دعاوى الأخطاء المهنية الصحية التي يُطالب فيها بالحق الخاص (الدية والتعويض)، أو التي ينتج عنها وفاة أو تلف عضو أو فقد منفعته، ويضم تشكيلها قاضيًا وأعضاء من المختصين في المجال الصحي. وتختص لجان أخرى بالمخالفات المهنية التي لا يُطالب فيها بحق خاص. ويجري تطوير منظومة القضاء في هذا المجال بين حين وآخر، فتأكد من الجهة المختصة وقت تقديم شكواك.
- توثيق الحالة فورًا: اطلب نسخة كاملة من ملفك الطبي والتقارير والصور الإشعاعية ونتائج التحاليل، فمن حق المريض الحصول عليها.
- تقديم شكوى أولية للمنشأة: عبر إدارة حقوق المرضى أو علاقات المرضى، وطلب رد مكتوب، مع الاحتفاظ برقم الشكوى.
- رفع الشكوى إلى وزارة الصحة: عبر قنواتها الرسمية للشكاوى أو مديرية الشؤون الصحية في المنطقة، مع طلب إحالتها إلى الهيئة الصحية الشرعية والمطالبة بالحق الخاص صراحة.
- التحقيق الفني: تُجري الجهة المختصة تحقيقًا يُستمع فيه إلى المريض والممارس، ويُستعان بتقارير اللجان الفنية لتحديد وجود الخطأ ونسبته.
- صدور القرار: تصدر الهيئة قرارها بإثبات الخطأ أو نفيه، وتحديد التعويض والعقوبة التأديبية إن وجدت.
- التظلم: يجوز التظلم من قرارات الهيئة الصحية الشرعية أمام ديوان المظالم خلال المدة النظامية المحددة في القرار أو النظام، فلا تؤخر الاطلاع عليها.
- التنفيذ: بعد أن يصبح القرار نهائيًا يُنفَّذ، وغالبًا ما تسهم شركة التأمين في سداد التعويض المقرر.
وتنبه إلى أن النظام يحدد مهلة لسماع دعوى الحق الخاص تبدأ من تاريخ العلم بالخطأ، فلا تؤجل الشكوى أملًا في التسوية الودية دون أن تتحقق من هذه المهلة.
دور التسوية الودية
قد تعرض المنشأة الصحية تسوية ودية قبل صدور القرار أو أثناء نظر الشكوى، وهذا خيار مشروع قد يختصر الوقت. لكن قبل القبول احرص على أن يكون الضرر قد استقر طبيًا وأمكن تقديره، وأن تفهم ما إذا كانت التسوية تشمل التنازل عن جميع المطالبات المستقبلية، وأن تُوثَّق كتابيًا بصيغة واضحة. ويمكن لمحامٍ مختص مراجعة العرض ومقارنته بما يُتوقع الحكم به عادة في حالات مشابهة، دون أن يعني ذلك ضمان نتيجة معينة.
المستندات المطلوبة
- الهوية الوطنية أو الإقامة للمريض، وصك حصر الورثة ووكالتهم إن كان المريض متوفى.
- الملف الطبي الكامل، وتقارير الدخول والخروج، وتقارير العمليات والتخدير.
- نماذج الموافقة على الإجراء الطبي التي وقّعها المريض أو وليه.
- الفواتير والإيصالات ووصفات الأدوية.
- تقارير طبية لاحقة من منشأة أخرى تشخّص الضرر وسببه، إن وُجدت.
- أي مراسلات أو رسائل نصية مع المنشأة أو الطبيب، وأسماء الشهود من المرافقين.
- تسلسل زمني مكتوب للأحداث بالتواريخ والأوقات.
أخطاء شائعة لدى المتضررين
- الخلط بين المضاعفات المعروفة والخطأ: بعض النتائج السيئة تكون مضاعفات محتملة أُبلغ بها المريض مسبقًا، ولا تُعد خطأ إذا التزم الطبيب بالأصول.
- التشهير قبل الشكوى: نشر اسم الطبيب أو المستشفى على وسائل التواصل قد يعرّض المريض لدعوى تشهير، حتى لو كان محقًا؛ والطريق الصحيح هو الشكوى النظامية.
- عدم طلب نسخة الملف الطبي مبكرًا: التأخر قد يصعّب إثبات التسلسل الحقيقي للأحداث.
- إغفال المطالبة بالحق الخاص صراحة: فتنتهي الشكوى بجزاء تأديبي للطبيب دون تعويض للمريض.
- توقيع تنازل أو مخالصة مقابل مبلغ زهيد: قبل معرفة حجم الضرر النهائي وتقديره طبيًا.
أسئلة شائعة
هل يمكن مقاضاة المستشفى الخاص والطبيب معًا؟
نعم، يمكن أن تشمل الشكوى الممارس الصحي والمنشأة، وتحدد الجهة المختصة نسبة مسؤولية كل منهما بحسب ما يثبت من خطأ أو تقصير في الإشراف أو التجهيز.
كيف يُقدَّر التعويض عن الخطأ الطبي؟
يُقدَّر وفق أحكام الدية والأرش للإصابات البدنية، إضافة إلى التعويض عن الأضرار الأخرى التي يقررها الحكم، ويعتمد ذلك على تقارير طبية تحدد نوع الضرر ونسبة العجز. لا توجد قيمة ثابتة لكل حالة.
هل يحق للورثة المطالبة إذا توفي المريض؟
نعم، للورثة الشرعيين المطالبة بالدية والتعويض بعد إثبات صفتهم بصك حصر الورثة، ويمكنهم توكيل أحدهم أو محامٍ لمتابعة القضية.
ماذا لو لم أكن متأكدًا أن ما حدث خطأ طبي؟
اطلب رأيًا طبيًا ثانيًا مستقلًا وراجع محاميًا مختصًا قبل تقديم الشكوى؛ فالتقييم المبكر يحدد ما إذا كانت هناك قضية قوية ويساعد على صياغة الشكوى بدقة.
قضايا الأخطاء الطبية فنية بطبيعتها، وتعتمد على قراءة دقيقة للملف الطبي والتقارير. استعن بـمحامٍ متخصص في الأخطاء الطبية أو محامي القضايا المدنية والتعويضات، أو اطرح سؤالك مجانًا عبر صفحة الأسئلة القانونية.
تنبيه: هذا المقال للتوعية العامة ولا يُعد استشارة قانونية. تختلف الأحكام بحسب تفاصيل كل حالة والأنظمة النافذة وقت قراءتك، فاستشر محاميًا مرخّصًا قبل اتخاذ أي إجراء.
تحتاج استشارة قانونية في هذا الموضوع؟
تواصل مع محامٍ مرخّص في مدينتك.